القول السديد في الرد على من انكر ورود لفظ التوحيد

القول السديد في الرد على من انكر ورود لفظ التوحيد


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله المصطفى الأمين و آله وصحبه ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد


كتبه الفقير الى مغفرة ربه أبو ســـــــلمان ضياء الدين ابرلي

وقع نظرى يوماً ما على قول قائل بأن كلمة “التوحيد” لا توجد في القرآن و السنة، فتعجبت من جرأته في التقوّل على الله و رسوله صلى الله عليه وسلم بدون العلم، فإما أن يكون القائل غافلاً متغفّلاً فالواجب هنا تذكيره و أمثاله، وإما أن يكون من أصحاب الأهواء المضلة فالواجب هنا التحذير منه و من أقواله، ولا يخفى على المسلم الفطن كثرة أعداء التوحيد في هذه القرون المتأخرة قرون غربة دين الاسلام ، وكذا غربة سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم. فيقال و بالله التوفيق:

لقد استنبط أهل العلم من الصحابة و التابعين لهم بالإحسان معنى و مقصود التوحيد من القرآن بالاستقراء وتكلموا بذلك و إن لم يجدوا ـ في كل موضع ـ التصريح بلفظ “التوحيد” مصدراً لأصل المادة (و ح د) من الفعل وَحّدَ يُوَحّدُ توحيداً .

فإنهم وجدوا سورة فاتحة الكتاب ، و ما تضمنته من حمد الله بالتوحيد في ألوهية الله ، و ربوبية رب العالمين ، و أسماءه الحسنى ، مثل ( رب العالمين ) ، ( الرحمن الرحيم) (الملك ) ، وما تضمنته من ذكر طريقة التوحيد ، والثمرة التي يجنيهامن يسلكها ، و جزاء من تركها، كما وجدوا سورة الكافرون وما تضمنته من الولاء و البراءة لأجل التوحيد، و وجدوا سورة الإخلاص و كونها تعدل ثلث القرآن لأن القرآن إما خبر عن الله سبحانه ، و إثبات وحدانية الله في ذاته ، و صفاته، و افعاله ، أو خبر عن خلقه سبحانه، و هم إما مؤمنون موحدون ، أو كفار مشركون ، أو إنشاء كأوامره و نواهيه لمصلحة خلقه وأوله الأمر بالتوحيد و النهي عن الشرك.

و وجدوا آيات الرب المولى لا تحصى تبيّن التوحيد كقوله تعالى (و إذا ذُكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة)، و قوله تعالى (و الهكم اله واحد لا اله إلا هو الرحمن الرحيم)، و قوله تعالى (أجعل الألهة اله واحدا إن هذا لشيء عجاب)، وقوله تعالى ( ذلك بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم و إن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي القدير)، و قوله تعالى (ولما رأوا بأسنا قالوا أمنا بالله وحده و كفرنا بما كنا به مشركون)، و قوله تعالى (و أن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحداً)، وغيره الكثير الكثير .

ولو لا مخافة الإطالة لزدنا الامر تفصيلا ، ولكن نترك القراء إلى رغبتهم في طلبها من مظانها ، سائلين الله تبارك و تعالى لنا ولهم الهداية، وسيجدون أن القرآن من أوله إلى لآخره ، مشتمل على تقرير التوحيد أو واجبات التوحيد ، أو الجزاء الحسن لمن يعمل بالتوحيد ، و الجزاء السيء لمن يتركه.

يروى عن حبر الأمة و مفسرها عبد الله بن العباس رضى الله عنهما أنه قال: “كل ما في القرآن من الأمر بالعبادة فالمراد به التوحيد.” وعنه أيضا في سورة الكافرون: “ليس في القرآن أشد غيظاً لأبليس لأنها توحيد و براءة من الشرك.”

و يروى عن الأمام مالك بن أنس رحمه الله: “محال أن نظن بالنبي صلى الله عليه و سلم أنه علّم أمته الاستنجاء و لم يعلمهم التوحيد.” و ذكر امثال هذه الاقوال يطول –

و إنما قصدت في هذه المقالة المحدودة أن أذكركم ببعض من أحاديث النبي صلى الله عليه و سلم و فوائدها لأنها صرحت بمطلوب بحثنا بما يناقض تقوّل ذلك القائل، فحيهلا مقبلين على الله ربنا مخلصين له الدين في طلب العلم بأقوال نبينا رسول الله عليه و على آله الصلاة و السلام.

فمن ذلك :

/ 1/ حديث عمرو بن عبسة رضى الله عنه الله عنه وفي إسلامه في أول البعثة حيث قال: “كنت وأنا في جاهلية أظن أن الناس على الضلالة و أنهم ليسوا على شئ و هم يعبدون الأوثان فسمعت برجل بمكة يخبر أخباراً فقعدت على راحلتي فقدمت عليه فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفياً جراء عليه قومه فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة فقلت: ما أنت؟ قال: أنا نبي. فقلت: و ما نبي؟ قال: أرسلني الله. فقلت: بأي شيء أرسلك ؟ قال أرسلني بصلة الأرحام وكسر الأوثان وأن يوحّد الله ولا يُشرك به شئ. فقلت: فمن معك على هذا؟ قال: حر وعبد. (قال و معه يومئذ أبو بكر و بلال ممن آمن به) فقلت: إني متبعك. قال: إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا. ألا ترى حالي و حال الناس؟ و لكن ارجع الى أهلك فإذا سمعت بي قد ظهرت فأتني…” الحديث بطوله.

قلت: فلاحظوا رحمكم الله أن كسر الأوثان ولو بالنية ، هو جانب النفي ، و هو شرط التوحيد ، و لم يكونوا يستطيعون ذلك فعلاً في مكة و حول الكعبة الأصنام الكثيرة ، و قريش قائمة في الدفاع عنها.

و أما جانب الاثبات فهو عبادة الله نية و قولا وعملاً حسب العلم و القدرة و اجتماع الامرين جانب النفي و جانب الاثبات تحقيق التوحيد.

ثم ترك الشرك بجميع أنواعه الأكبر والأصغر والخفي ، هو حفظ الإخلاص في التوحيد من جميع الشوائب.

وجاء في آخر حديث عمرو ما يناسب هذا أيضاً ، حيث يخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأوقات الصلوات ثم يقول: “فان هو قام وصلى فحمد الله وأثني عليه ومجده بالذي هو أهله وفرغ قلبه لله تعالى إلا صرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه.”

فأمر بتفريغ القلب لله وهو التخلية الثانية التي يحتاجها إليها المسلم المصلى لحفظ أصل عبادته لله مخلصاً له الدين من الشرك الخفي، وهي بالمرتبة الثانية بعد التخلية الأولى بترك عبادة الأوثان و الطواغيت.

ومن فوائد الحديث أن المرء لا يطلب غيرعادات قومه المألوفة حتى يشعر ببطلانها و فسادها.

و من الفوائد أيضاً أن النبي صلى الله عليه و سلم صرح بالبراءة من الأوثان و نية كسرها و جعل ذلك من المقاصد الأولية من الدين حتى في زمن الاستضعاف.

ومن فوائده أن التوحيد نفياً و إثباتاً هو أصل الدين و قاعدته حيث لم يأمره بغيره.

ومن فوائده أن المطلوب في الدين هو الظهور و الغلبة على المشركين و الكفار ، لأنه لا قيام للعبادات و لا لأحكام الله الحكيمة إلا به .

ولله الحمد إن النبي صلى الله عليه و سلم أخبرنا
في حديث متواتر إنه لم تزل طائفة من هذه الأمة ظاهرة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم إلى آخر الزمان و أن هذه الطائفة تقاتل الدجال -أعوذ بالله من شر فتنته – مع عيسى أبن مريم عليه السلام.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/ 2/ و عن ابن عباس رضى الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذاً إلى اليمن قال: “إنك تأتى قوما من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله فإنهم أطاعوك لذلك، فاعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن أطاعوك لذلك فأعلمهم إن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإن ليس بينها وبين الله حجاب.”

وفي رواية من هذا الحديث ) فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحّدوا الله تعالى فإذا عرفوا ذلك فخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم و ليلتهم فإذا صلوا) .

وفي رواية أخرى (إلى أن يعبدوا الله).

قلت: هذا الحديث من أوضح الأدلة لأهل السنة على أن التصريح بالشهادة قولاً ، و أن توحيد العبادة لله عملاً ، أول الواجبات على المكلف لا يتقدمه شئ البتة، وهذه الفائدة في أدلة كثيرة منها حديث حارث الآتي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/ 3/ وفي حديث طارق بن أشيم الاشجعي رصى الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال: “من وحّد الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله و دمه و حسابه على الله.”

قلت: هذا الحديث فيه الإثبات و النفي السالف ذكرهما و نظيره في القرآن كثير ، كقوله تعالى (فمن يكفر بالطاغوت و يؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها و الله سميع عليم) (البقرة 256) و نحوه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/ 4 / و عن أبى مالك عن أبيه قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول من وحّد الله تعالى و كفر بما يعبد من دونه حرم ماله و دمه و حسابه على الله عز و جل.”

و رواية أخرى قال “ من قال لا اله إلا الله و كفر بما يعبد من دون الله حرم ماله و دمه و حسابه على الله”.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/ 5/ و عن بن عمر رضى الله عنه قال بُني الإسلام على خمس على أن يوحّد الله و أقام الصلاة و ايتاء الزكاة و صيام رمضان و الحج. فقال رجل الحج و صيام رمضان . قال ابن عمر لا صيام رمضان و الحج هكذا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم.”

قلت: و هذه الرواية تفسرها الروايات الأخرى – و هكذا يفسر الكتاب و السنة بعضهما البعض – حيث قال: “… على أن يعبد الله و يكفر بما دونه…” و في رواية “… شهادة أن لا اله إلا الله.”

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/6/ و في حديث أم سلمة رضى الله عنه الله عنها في هجرة الصحابة إلى الحبشة جاء فيه قول جعفر بن أبي طالب إلى النجاشي رضى الله عنه اله عنهما”… أيها الملك كنا قوماً أهل الجاهلية نعبد الأصنام و نأكل الميتة و نأتي الفواحش و نقطع الأرحام و نسئ الجوار ويأكل القوي منا الضعيف و كنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه و صدقه و أمانته و عفافه فدعانا إلى الله لنوحده و نعبده و نخلع ما كنا نعبد نحن و آباؤنا من دونه من الحجارة و الأوثان و أمرنا بصدق الحديث و اداء الأمانة و صلة الأرحام و حسن الجوار و الكف عن المحارم و الدماء و نهانا عن الفواحش و قول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة و أمرنا أن نعبد الله وحده و لا نشرك به شيئاً و أمرنا بالصلاة و الزكاة و الصيام – قال فعدد عليه أمور الإسلام – فصدقنا آمنا وأتبعناه على ما حاء به فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئاً و حرمنا ما حرم علينا و أحللنا ما أحل لنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله و أن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث…” الحديث بطوله.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

7/ و في حديث جابر الطويل جداً في صفة حج النبي صلى الله عليه و سلم فيه”… فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت فاستقبل القبلة فوحّد الله و كبره و قال لا اله إلا الله وحده لا شريك له الملك و له الحمد و هو على كل شئ قدير أنجز وعده و نصر عبده و هزم الأحزاب وحده ثم دعا بين ذلك قال مثل هذا ثلاث مرات ثم نزل إلى المروة…”

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/ 8/ و عن يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا أبي عن ابن اسحاق قال حدثني عن افتراش رسول الله صلى الله عليه و سلم فخذه اليسرى في وسط الصلاة و في آخره و قعوده على وركه اليسرى و وضعه يده اليسرى على فخذه اليسرى و نصبه قدمه اليمنى و وضعه يده اليمنى على فخذه اليمنى و نصبه إصبعه السبابة يوحّد بها ربه عز و جل.”

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/ 9 وعن سعد بن وقاص رضى الله عنه الله عنه قال مرّ علىّ رسول الله صلى الله عليه و سلم و أنا أدعو و أشير بإصبعي فقال أحّد أحّد و أشار بالسبابة.” و قوله الأمر بالتوحيد أي أن يجعله إصبعاً واحداً كي لا يتوهم أنه يشير إلى أثنين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قلت: ففي هذه الأحاديث كلها فعل “وحّد يوحّد” ، و مصدره معلوم هو “توحيداً” أي “التوحيد.” و أما بقية الأحاديث التي سنذكرها فقد صرحت بكلمة التوحيد، فلا ينبغي الشك في هذا الأمر العظيم لفظاً ولا معناً ولا قولاً و عملاً و شهادة إلى الموت.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/ 10/ عن عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل السهمى أن يعتقد عنه مائة رقبة فاعتقد إبنه هشام خمسين رقبة و أراد ابنه عمرو أن يعتق عنه الخسمين الباقية قال: حتى أسال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى النبي صلى الله عليه و سلم فقال: يا رسول الله إن أبى أوصى أن يعتق عنه مائة رقبة و أن هشام اعتق عنه خمسين وبقيت عليه خمسون أ فأعتق عنه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” أنه لو كان مسلماً فاعتقهم أو تصدق عنه أو حجتهم عنه بلغه ذلك”. وفي رواية: “فلو كان أمر بالتوحيد فصمت وتصدقت عنه نفعه ذلك.”

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/11/ عن الحارث بن الحارث الغامدي قال: قلت لأبى: ما هذه الجماعة؟ قال: هولاء القوم قد اجتمعوا على صابئ لهم قال: فنزلنا فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلٌم يدعو الناس إلى توحيد الله عز وجل والإيمان به وهم يردون عليه ويؤذونه حتى انتصف النهار وانصدع عنه الناس أقبلت امرأة قد بدأ يحرصها تحمل قدحاً ومنديلاً فتناوله منها وشرب و توضأ ثم رفع وقال: يا بُنَيّةُ فمرى عليك تحرك و لا تخافي على أبيك. قلنا: من هذه؟ قالوا: زينب بنته.”

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/ 12/ عن أبى هريرة رضى الله عنه كان إذا أراد أن يضحي إشترى كبشين عظيمين سمينين أقرنين أملحين موجؤين فذبح أحدهما عن أمته لمن شهد بالتوحيد وشهد له بالبلاغ، و ذبح الآخر عن محمد وعن آل محمد الله صلى الله عليه وسلٌم.”

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/13/ عن جابر رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلٌم: يعذب ناس من أهل التوحيد في النار حتى يكونوا فيها حمما ثم يدركوا منهم الرحمة فيخرجون يطرحون على ابواب الجنة فال: فيرش عليهم اهل الجنة الماء فينبتون كما ينبت الغثاء في حمالة السيل ثم يدخلون الجنة.”

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/ 14 / و روى الترمذي حديث عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم: “من شهد أن لا إلا الله وأن محمداً رسول الله حرم الله عليه النار.” ثم ذكر وجهه أنه قبل نزول الفرائض و الأمر و النهي. ثم قال: ” و قد روى عن ابن مسعود وأبي الذر و عمران بن حصين و جابر بن عبد الله و ابن عباس و أبي سعيد الخدري و انس عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال: ” سيخرج قوم من النار من أهل التوحيد و يدخلون الجنة.” و هكذا روى عن سعيد بن جبير و ابراهيم النجعي و غير واحد من التابعين في تفسير هذه الآية (( ربما يودّ الذين كفروا لو كانوا مسلمين))(الحجر2).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/ 15/ و في حديث طويل عن جابر بن عبد الله في مناسك الحج فيه “…فأهلّ بالتوحيد لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد و النعمة لك والملك لا شريك لك.”

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/ 16/ و روى عبد الله قال حدثني أبي ثنا أبو كامل ثنا حماد ثنا ثابت عن أبي رافع عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم و غير واحد عن الحسن و ابن سرين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “كان رجل ممن كان قبلكم لم يعمل خيراً قط إلا التوحيد فلما احتضر قال لأهله انظروا إذا أنا مت أن أحرقوه حتى يدعوه حمماً ثم اطحنوه ثم اذروه في يوم ريح فلما مات فعلوا ذلك به فإذا هو في قبضة الله فقال الله عز و جل يا ابن آدم ما حملك على ما فعلت قال اى رب من مخافتك قال فغفره بها و لم يعمل خيراً قط إلا التوحيد.”

قلت: فهذه الأحاديث كلها صرحت بكلمة “التوحيد” أو بفعل الماضي “وحّد” أو تأويل المصدر “أن يوحّد” أو نحوه، و بذلك يعلم أنه قد جاء ذكر التوحيد لفظاً صريحاً في السنة، و لا أظن أحد ينازع أن القرآن المجيد والسنة النبوية قد استوعبا بشرح التوحيد ، مبينان أنه يفسر بـ “لا اله إلا الله محمد رسول الله” لفظاً و معنى ، و ما يقتضيه من النية، و القول ، و العمل ، و الموت على ذلك كله، و هو يفسر كذلك بالإيمان ، و بإيمان بالله و رسوله صلى الله عليه و سلم و اليوم الآخر، و كما يفسر كذلك بالتلبية كما في حديث جابر رضى الله عنه.

والتوحيد يتضمن الإيمان بالله و الكفر بالطاغوت لزاماً كما هو واضح من حديث عمرو بن عبسة و حديث طارق بن اشيم رضى الله عنهما، فالكفر بالطاغوت ركن من ركني التوحيد الملازم لركنه الآخر، فما عبد الله وحده من لم يكفر بالطاغوت ومن لم يكفر بالطاغوت ما عبد الله وحده، ومن امتنع عن أصل العبادة لله وحده ، فقد أخل باصل التوحيد .

فهما ركنان ملازمان بعضه لبعض، لا ينفك أحدهما عن الآخر في الحكم، وهما شيئان أحدهما غير الآخر في اللفظ والمعنى .، و ركنا التوحيد كالشهادتين أحدهما غير الآخر في اللفظ والمعنى ، ولكن لا ينفك أحدهما عن الأخر في الحكم، فمن شهد أن لا إله إلا الله وامتنع عن شهادة أن محمداً رسول الله فقد كفر بالرسل ، وكفر بالمرسل الذي أرسل الرسل وهو الله تعالى.

فالشهادتان أحدهما غير الأخر لفظاً ومعنى ، ولكنهما متلازمتان مرتبطتان حكماً، من شهد بأحدهما دون الأخر كفر بهما جميعاً ، لأن امتناعه أو تركه الشهادة بأحدهما يتضمن القدح والنقض للأخر ، فبطلت شهادته بهما جميعاً للتكذيب الواقع لا محالة.

ومثلهما إجماع السلف على أن الإيمان قول وعمل، فمن قال ثم امتنع عن العمل كان امتناعه قدحاً وتكذيباً لقوله ( آي إذا كان ذلك في ركن إسلامه و إيمانه قولاً وعملاً لان شأن الركن غير شأن الواجبات و المندوبات).

ومن عمل بالأركان كلها و لكن امتنع أن يقول بفرضيتها و أنكرها بطل عمله بها ، لأنه لم يفعلها لله إيماناً واحتساباً و لا إتباعاً لرسول الله صلى الله عليه و سلم .

فالقول الصادق المخلص يتضمن الإتيان بما استطاع من العمل الصالح المخلص ضرورة، ولولا أننا في بحث آخر لفصلنا القضية. والمهم هنا أن القول والعمل متلازمان في أركان الإسلام والإيمان ( أي دون واجباته فقد يتخلف ويكون عاصياً مستحقاً للعقاب مع ثبوت الإسلام و الإيمان).

و كون الإيمان بالله والكفر بالطاغوت متلازمان ، هما في ذلك مثل من آمن ببعض الرسل أو بعض الكتب ، وكفر بالبعض الآخر، فلا ينفعه إيمانه بذلك البعض مع الكفر بالبعض الاخر ، أو بالآيات و الأحكام الأخرى وإن كان واحداً فقط ، لقوله تعالى (كذبت قوم نوح المرسلين) وقوله (كذبت عاد المرسلين) (انظر الشعراء الآية 105 والآية 123). ونحوهما، ولقوله تعالى (أ فتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ) (البقرة 85).

و لا عصمة للدم و المال في الدنيا إلا بالتوحيد كما في حديث طارق رضى الله عنه الله عنه وأحاديث أخرى كثيرة معلومة، و لا فائدة للعمل الصالح إلا به كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص و أبي هريرة رضى الله عنهما، و لا نجاة من العذاب في الآخرة إلا به كما في حديث أبي هريرة و جابر و غيرهم رضى الله عنهم.

والأحكام و الفوائد من هذه الأحاديث كثيرة جليلة، ولو ذكرنا ما ورد في السنة وشروح العلماء في هذا الباب لطال المقام، و هذا غيض من فيض ما يحتمله هذه المقالة المختصرة، و ما توفيقنا إلا بالله، و لله الحمد في الأولى و الآخرة، و الصلاة و السلام و رسول الله و أله و صحبه و من اتبعهم بإحسان و سلم.

الحمد لله رب العالمين الذي بعونه تتم الصالحات

اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد

وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد

سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك

أبو ســـــــلمان ضياء الدين ابرلي

abusalman102@yahoo.com

abusalman102@gmail.com

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s